[size=3][size=4]بسم الله الرحمن الرحيم
الوطنية في شعر أبي القاسم الشابي
الوطن كلمة قد لا يعرف الكثير منا مغزاه وقد يعرف البعض أنها تدل على قطعة أرض أو مكان ميلاد وهذا لا يتعدى أن يكون سوى مفهوماً لغويا فقط. ولكن إذا نظرنا إلى الوطن من الناحية النفسية والعلاقة القائمة بين الوطن والمواطن نجد بين ذلك اختلافاً كبيرا ً، وكذلك تختلف نظرة الشعراء إلى بلدانهم و يزداد هذا الاختلاف وضوحاً عند الشعراء الذين هاجروا من بلدانهم أو أخرجوا منها.
وفي مقالنا هذا سوف نتطرق إلى الوطنية في شعر أبي القاسم الشابي وكذلك ثورته على الاستعمار وحركة الرجعية والتخلف التي أحس بها الشاعر أنها تتغلغل في المجتمع التونسي.
ولد شاعرنا أبو القاسم الشابي في بلدة الشابية إحدى بلدات تونس الخضراء .حيث نشأ في وقت لم يكن ليغيب عن أحوال وطنه وما يمر به و ما يحاك له من قبل الاحتلال وكذلك من الرجعية التي حبست الشعب التونسي ، فجاء شعره موجها بقدر كبير للاستعمار والرجعية والرجعين. وبذلك تصدرت قصائده الوطنية الصدارة في ديوانه ( أغاني الحياة ) .
لا أدري لماذا جاء اختياري لهذا الموضوع الشائك والمتشعب، وهذه الشخصية التي طالما حيرت الكثيرين من النقاد والمفكرين، ومن رجال الدين والسياسة، و لم تسلم كذلك قصائده من النقد والإنكار حيث بقيت مسار شد وجذب بين مؤيد ومعارض.
أما الوطنية والثورة التي سوف نتحدث عنهما في هذا المقال، فهما متلازمتان في قصائده، فالشاعر يعبر عن غضبه على المستعمر وحث الشعب على أن يثور على المستعمر، يعبر بهما عن حبه للوطن. وكذلك يكون الحب للوطن عندما يدعو الشاعر الشعب للعلم والتقدم و نبذ العنف والحقد بينهم. فالثورة التي يتحدث الشاعر عنها أو يدعو إليها هي ثورة التقدم ، والتعلم وتحقيق الذات أي ثورة مسالمة ليست ثورة سلاح وقتال كما يراها كثير من الكتاب.
و سوف نؤشر في هذا المقال إلى قصائد الشابي التي يمكن لنا أن نرى من خلالها توجهات الشاعر من الوطنية والثورة ، وما حققتها هذه القصائد من أهداف الشاعر التي يمكن لنا أن نلخصها كتالي:
1- بث روح والأمل والتفاؤل في الشعب .
2- الوقف في وجه أهداف الاستعمار .
3- تعريف الجيل الناشئ بخطط المستعمر .
4- تذكير العلماء والمفكرين بدورهم في توعية الشعب وكذلك نشرهم للعلم.
القصيدة الأولى هي بعنوان ( الدنيا الميتة )، وفيها يثور الشاعر على الشعب الذي يعيش مع إخوته بحقد، وتناحر، يتراشقون بالأشواك، في حين كان الواجب عليهم الوقوف ضد المستعمر والعيش في بيئة أخوية سعيدة، فيقول في ذلك:
لكنها تحيا بلا ألباب إن أرى. .. فأرى جموعاً جمةً
و تراشقوا بالشوك و الأحصاب و إذا استجابوا للزمان تناكروا،
جهلا، و عاشوا عيشة الأغراب و قضوا على روح الأخوة بينهم
و تحركوا كتحرك الأنصاب موتى، نسوا شوق الحياة وعزمها
و نرى الشاعر في هذه القصيدة يتكلم عن قوة و عظمة إرادة الشعب ويصفها أنها هي السبيل الوحيد إلى الحرية والعيش الكريم. وهي قصيدة بعنوان ( إرادة الحياة ):
فلا بد أن يستجيب القدر إذا الشعب يوماً أراد الحياة
ولا بد للقيد أن ينكسر ولا بد لليل أن ينجلي
تبخر في جوّها وأندثر و من لم يعانقه شوق الحياة
يعش أبد الدهر بين الحفر ومن لا يحب صعود الجبال
مع أن من العلماء من أنكروا عليه بيته الأول ؛ إلا أن اللغويين أوجدوا له العذر ، ولكن الأمر يبقى بين الإنكار والتأييد .
و يرجع الشاعر ليثور على الشعب وهذه المرة من باب أنهم نبذوا العلم وارتدوا الجهل، فبذلك ضيعوا مجد الأجداد الذي تغنى به الشاعر كثيراً في قصيدته ( الصيحة ):
خطى، وراء، كبارا يا قوم سرتم حثيثاً
النوى، قلاً وصغارا نبذتم العلم نبذ __
تخذتموه شعارا لبستم الجهل ثوباً
قطنتم الجهل دارا يا قوم مالي أراكم
شادوا الحياة فخارا أضعتم مجد قوم
خلعتموه احتقارا حاكوا لكم ثوب عزّ
قومي أراهم سكارى يا شعر... أسمعت لكن
ونرى الشاعر في قصيدته الخالدة ( الطاغية ) يهزأ من الذين يقولون أن صوت المستذلين خافت، وسمع الطغاة أصم وأضخم، فما زالت للشعب صيحة قوية ستزلزل عرش المستعمر والطغاة ، ويذكر الشاعر المستعمر بنهايته التي لابد و إن تأخرت أن تأتي كما يأتي النهار بعد طول الليل . وقد حققت هذه القصيدة ما خطط لها فقد وقعت على المستعمر ونالت منه ما لم تنله العمليات المسلحة.
وسمع طغاة الأرض أطرش أضخم يقولون صوت المستذلين خافت
تخر لها شم العروش، وتهدم وفي صيحة الشعب المسخر زعزع
يصرم أحداث الزمان، ويبرم إذا التف حول الحق قوم، فإنه
إذا نهض المستضعفون، وصمموا لك الويل، يا صرح المظالم من غد
و صبوا حميم السخط أيان تعلم إذا حطم المستعبدون قيودهم
و ينبثق اليوم الذي يترنم ولكن سيأتي، بعد لأي نشورها
فيهدم ما شاد الظلام، ويحطم هو الحق يعفي...ثم ينهض ساخطاً
ستعلم من منا سيجرفه الدم غد الروع، إن هب الضعيف ببأسه
والشاعر مع هذه المشاعر الثورية والساخطة على المستعمر لم ينس أن على حماة الدين دور تجاه هذا الوطن وكذلك تجاه الشعب، والشعب في ظروف كهذه في حاجة ماسة إلى التوعية ومعرفة أهداف المستعمر كذلك. وينكر الشاعر عليهم بعدهم عن نشر العلم بين الشعب وتركهم للكفر و الإلحاد ، ويدعوهم إلى اليقظة و الابتعاد عن الأوهام ، وذلك في قصيدته ( يا حماة الدين ...):
ونمتم بملء الجفن، والسيل داهم سكتم، حماة الدين سكتة واجمٍ
علائم كفر ثائرٍ و معالم سكتم، و قد شم الظلام: غصونه
و لاحت للآلاء الصباح علائم أفيقوا، فليل النوم ولى شبابه
لقد تناولنا في هذا المقال وجهاً واحداً أو صفةً واحدةً من صفات قصائد الشابي ، فهناك الوجه الأخر وهو الوجه الرومانسي للشاعر و لقصائده ، والذي سوف نتتطرق إليه بإذن الله في مقالنا القادم .
لنا اللقاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.[/size][/size]